أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
385
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
أنّ سائر الأعضاء يتّقى بها عن الوجه ، وهؤلاء لشدّة ما ينالهم يتّقون بما هو أشرف الأعضاء . يقال : اتّقى فلان بكذا : إذا جعله وقاية لنفسه . وقوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ « 1 » أي لعلّكم أن تجعلوا ما أمركم اللّه به وقاية بينكم وبين النار . ومنه قول العرب : اتّقاه بحقّه ، أي جعله وقاية من المطالبة والمخاصمة . قوله تعالى : إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً « 2 » . تقاة مصدر بمعنى الاتّقاء . والمعنى : إلا أن تتّقوا منهم تقيّة ، أي مخافة . يقال : اتّقاه يتّقيه اتّقاء وتقاة وتقية . وقد قرىء « تقيّة » موضع « تقاة » « 3 » . والتّقاة والتّقية اسمان بمعنى الاتّقاء . وقال ابن عرفة : أي يكون لهم عهد أو ذمام أو رحم فيخالفون على ذلك ويحاملون عليه . وقيل : تقاة جمع كغزاة ورماة . ولهذين القولين موضع هو أليق من هذا . وأمّا قوله : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ « 4 » فهو مصدر ليس إلا ، ومعناه : اتّقوه على نحو ما أمركم ونهاكم . وليس فيه تكليف بما لا يطاق ، لكنّه قلّ من يتّقي اللّه حقّ تقاته ؛ فإنّ ذلك لا يوجد إلا في الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم ومن لطف اللّه به ووفّقه . اللهمّ بجاه كتابك وكتبك ونبيّك وأنبيائك اجعلنا من الحزب الذين يتّقونك حقّ تقاتك . وجمع التّقوى تقاوى نحو فتوى وفتاوى . وجمع التّقاة تقى نحو طلاة وطلى « 5 » . والمتّقي اسم فاعل من اتّقى يتّقي ، أي أفرط في الصيانة . والأصل موتقي ، فأبدلت الواو تاء ، وفي الحديث : « كنا إذا احمرّ البأس اتّقينا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » « 6 » أي جعلناه وقاية لنا من العذاب . ومنه قول عنترة « 7 » : [ من الكامل ] إذ يتّقون بي الأسنّة لم أخم * عنها ، ولكنّي تضايق مقدمي أي يتّقون بي حرّ القتال .
--> ( 1 ) 21 / البقرة : 2 ، وغيرها . ( 2 ) 28 / آل عمران : 3 . ( 3 ) ذكر الفراء أن « تقاة » هي أكثر كلام العرب وقرأه القراء . وذكر عن الحسن ومجاهد أنهما قرأا « تقيّة » وكلّ صواب ( معاني القرآن : 1 / 205 ) . ( 4 ) 102 / آل عمران : 3 . ( 5 ) وذكر ابن الأعرابي أن هذين الحرفين نادران . ( 6 ) النهاية : 5 / 217 . ( 7 ) الديوان : 153 .